كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأمَّا الجماعةُ فهي عندهم متصلةٌ. فقوله: {أم هو} على قراءة العامة عطفٌ على {آلهتنا} وهو من عطفِ المفرداتِ. التقدير: أآلهتُنا أم هو خيرٌ أي: أيُّهما خيرٌ. وعلى قراءة ورشٍ يكونُ {هو} مبتدأ، وخبرُه محذوفٌ تقديرُه: بل أهو خيرٌ، وليست (أم) حينئذٍ عاطفةً.
قوله: {جَدَلًا} مفعولٌ مِنْ أجله أي: لأجلِ الجدلِ والمِراءِ لا لإِظهارِ الحقِّ. وقيل: هو مصدرٌ في موضعِ الحال أي: إلاَّ مُجادِلين.
وقرأ ابنُ مقسم {جِدالًا} والوجهان جاريان فيه. والظاهر أنَّ {هو} لعيسى كغيره من الضمائر. وقيل: هو للنبي صلى الله عليه وسلم.
{وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)}.
قوله: {لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً}: في (مِنْ) هذه أقوالٌ، أحدها: أنها بمعنى بَدَل أي: لَجَعَلْنا بَدَلكم. ومنه أيضًا {أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة} [التوبة: 38] أي بَدَلَها. وأنشد:
أخَذُوا المَخاضَ من الفَصيل غُلُبَّةً ** ظُلْمًا ويُكْتَبُ للأمير إفالا

وقال آخر:
جارِيَةٌ لم تَأْكُلِ المُرَقَّقَا ** ولم تَذُقْ من البُقول الفُسْتقا

والثاني: وهو المشهورُ- أنها تبعيضِيَّةٌ. وتأويلُ الآية عندهم: لَوَلَّدْنا منكم يا رجالُ ملائكةً في الأرض يَخْلُفونكم كما يَخْلُفكم أولادُكم، كما وَلَّدْنا عيسى مِنْ أنثى دونَ ذكرٍ، ذكره الزمخشري. والثالث: أنها تبعيضيَّةٌ. قال أبو البقاء: وقيل: المعنى: لَحَوَّلْنا بعضَكم ملائكةً. وقال ابن عطية: (لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنْكم).
{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)}.
قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ}: المشهورُ أنَّ الضمير لعيسى، يعني نزولَه آخر الزمان. وقيل الضميرُ للقرآن أي: فيه عِلْمُ الساعةِ وأهوالُها، أو هو علامةٌ على قُرْبها. وفيه {اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء: 1] {اقتربت الساعة} [القمر: 1]. وقيل: للنبي صلى الله عليه وسلم. ومنه «بُعِثْت أنا والساعةُ كهاتَيْن».
والعامَّةُ على {عِلْم} مصدرًا، جُعِل عِلْمًا مبالغَةً لَمَّا كان به يَحْصُلُ العِلْمُ، أو لَمَّا كان شَرْطًا يُعْلَم به ذلك أُطْلِق عليه عِلْم. وابن عباس وأبو هُرَيْرَة وأبو مالكِ الغِفاري وزيد بن علي {لَعَلَمٌ} بفتح الفاءِ والعينِ أي: لَشَرْطُ وعَلامةٌ، وقرأ أبو نضرة وعكرمةُ كذلك، إلاَّ أنهما عَرَّفا باللام، فقرأ {للعَلَمُ} أي: لَلْعلامَةُ المعروفةُ.
{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)}.
قوله: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ}: مبتدأ، وخبرُه {عَدُوٌّ}. والتنوين في {يومئذٍ} عِوَضٌ عن جملة تقديرُه: يومَ إذْ تَأْتيهم الساعةُ. والعامل في {يَوْمئذ} لفظُ {عَدُوٌّ} أي: عداوتُهم في ذلك اليوم.
{يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)}.
قوله: {ياعبادي}: قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ {يا عبادِيَ لا خَوْفٌ} بفتح الياء. والأخوانَ وابن كثير وحفصٌ بحَذْفِها وصلًا ووقفًا. والباقون بإثباتها ساكنةً. وقرأ العامَّة {لا خوفٌ} بالرفع والتنوينِ: إمَّا مبتدأ، وإمَّا اسمًا لها، وهو قليلٌ. وابن محيصن دونَ تنوينٍ على حَذْفِ مضافٍ وانتظارِه: لا خوفُ شيءٍ. والحسنُ وابن أبي إسحاق بالفتح على {لا} التبرئةِ، وهي عندهم أَبْلَغُ.
{الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69)}.
قوله: {الذين آمَنُواْ}: يجوزُ أَنْ يكونَ نعتًا لـ: {عبادي} أو بدلًا منه، أو عطف بيانٍ له، أو مقطوعًا منصوبًا أو مرفوعًا.
{يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)}.
قوله: {يُطَافُ}: قبلَه محذوفٌ أي: يَدْخُلونُ يُطاف. والصِّحافُ: جمعُ صَحْفَة كجَفْنَة وجِفان. قال الجوهري: الصَّحْفَةُ كالقَصْعَةِ. وقال الكسائيُّ: أعظمُ القَصاعِ الجَفْنةُ، ثم القَصْعَةُ تُشْبِع العَشَرة، ثم الصَّحْفَةُ تُشْبِعُ الخمسةَ، ثم المِئْكَلَة تُشْبِعُ الرجلين والثلاثة. والصَّحيفة: الكتابُ، والجمعُ: صُحُف وصَحَائف. وأمال الكسائيُّ في روايةٍ {بِصحاف}. والأَكْواب جمعٌ. فقيل: هو كالإِبْريق إلاَّ أنه لا عُرْوَةَ له. وقيل: إلاَّ أنه لا خُرْطومَ له. وقيل: إلاَّ أنه لا عُرْوَةَ له ولا خُرْطومَ معًا. قال الجواليقي: ليتمكَّنَ الشاربُ مِنْ أين شاءَ، فإنَّ العُرْوَةَ تمنعُ من ذلك.
وقال عَدِيّ:
مُتَّكِئًا تَصْفِقُ أبْوابُه ** يَسْعَى عليه العبدُ بالكُوبِ

والتقدير: وأكواب مِنْ ذَهَب أو لم يُرِدْ تَقْييدَها.
قوله: {مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس} قرأ نافعٌ وابن عامرٍ وحفصٍ {تَشْتهيه} بإثباتِ العائدِ على الموصول كقوله: {الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان} [البقرة: 275] والباقون بحَذْفِه كقوله: {أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولًا} [الفرقان: 41] وهذه القراءة شبيهةٌ بقوله: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} [يس: 35] وتقدَّم ذلك في يس، وهذه الهاءُ في هذه السورةِ رُسِمَتْ في مصاحفِ المدينة والشام، وحُذِفَتْ مِنْ غيرِها. وقد وقع لأبي عبد الله الفاسيِّ شارحِ القصيدِ وَهَمٌ فسَبَقَ قلمُه فكتب: والهاءُ منه محذوفةٌ في مصاحفِ المدينةِ والشامِ ثابتةٌ في غيرِهما. أراد أن يكتبَ: ثابتةٌ في مصاحف المدينة والشام محذوفةٌ من غيرِهما. فعكَسَ. وفي مصحفِ عبد الله {تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين} بالهاء فيهما.
{لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)}.
قوله: {مِّنْهَا تَأْكُلُونَ}: (من) تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ، وقُدِّم الجارُّ لأجلِ الفاصلةِ.
{لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)}.
قوله: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ}: جملةٌ حاليةٌ، وكذلك {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}: وقرأ عبد الله {وهُمْ فيها} أي: في النار لدلالةِ العذاب عليها.
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)}.
قوله: {ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين}: العامَّةُ على الياء خبرًا لـ: {كان}، و{هم} إمَّا فَصْلٌ وإمَّا توكيدٌ. وقرأ عبد الله وأبو زيدٍ النحويان {الظالمون} على أنَّ {هو} مبتدأٌ. و{الظالمون} خبرُه. والجملةُ خبر كان، وهي لغةُ تميم. قال أبو زيد: سَمِعْتُهم يَقْرؤون {تَجِدُوْه عند الله هو خيرٌ وأعظمُ أجرًا} بالرفعِ. وقال قيس بن ذُرَيح:
تَحِنُّ إلى ليلى وأنت تَرَكْتَها ** وكنتَ عليها بالمَلا أنتَ أقدرُ

برفع (أقدرُ) و(أنت) فصلٌ أو توكيدٌ. قال سيبويه: بَلَغَنا أنَّ رؤبةَ كان يقول: أظنُّ زيدًا هو خيرٌ منك. يعني بالرفع.
{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)}.
قوله: {يامالك}: العامَّةُ مِنْ غير ترخيمٍ. وعلي بن أبي طالب وعبدُ الله وابنُ وثَّاب والأعمش {يا مالِ} مرخمًا على لغة مَنْ ينتظر. وأبو السِّوار الغَنَويُّ {يا مالُ} مبنيًا على الضم على لغةِ مَنْ لا يَنْوي.
{أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)}.
قوله: {أَمْ أبرموا}: أم منقطعةٌ. والإِبرام: الإِتقانُ، وأصلُه في الفَتْلِ. يقال: أَبْرَمَ الحَبْلَ أي: أتقن فَتْلَه، وهو الفَتْلُ الثاني، والأولُ يُقال له: سَحِيل. قال زهير:
لَعَمْرِي لَنِعْمَ السَّيِّدان وُجِدْتُما ** على كل حالٍ مِنْ سَحِيلٍ ومُبرَمِ

{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)}.
قوله: {إِن كَانَ للرحمن}: قيل: هي شرطيةٌ على بابِها. واخْتُلِفَ في تأويلِه فقيل: إنْ صَحَّ ذلك فأنا أولُ مَنْ يَعْبُده لكنه لم يَصِحَّ البتةَ بالدليلِ القاطعِ، وذلك أنَّه عَلَّق العبادةَ بكيْنونة الولدِ، وهي مُحالٌ في نفسِها، فكان المُعَلَّقُ بها مُحالًا مثلَها، فهو في صورةِ إثباتِ الكينونةِ والعبادةِ، وفي معنى نَفْيهِما على أَبْلغِ الوجوهِ وأَقْواها، ذكره الزمخشريُّ. وقيل: إن كان له ولدٌ في زَعْمِكم. وقيل: العابدين بمعنى: الآنفين. مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّ أَنَفَةً فهو عَبِدٌ وعابِدٌ. ويؤيِّدُه قراءة السُّلَميِّ واليماني {العَبِدين} دون ألفٍ. وحكى الخليل قراءة غريبةً وهي {العَبْدِيْن} بسكون الباءِ، وهي تخفيفُ قراءة السُّلَمي فأصلها الكسرُ. قال ابنُ عرفة: يقال: عَبِدَ بالكسر يَعْبَد بالفتح فهو عَبِد، وقلَّما يقال: عابِد، والقرآن لا يجيْءُ على القليلِ ولا الشاذِّ. قلتُ: يعني فتخريج مَنْ قال: إنَّ العابدين بمعنى الآنفين لا يَصِحُّ، ثم قال كقول مجاهد. وقال الفرزدق:
أولئك آبائي فجِئْني بمثْلِهم ** وأَعْبَدُ أنْ أَهْجُوْ كُلَيْبًا بدارِمِ

أي: آنَفُ. وقال آخر:
متى ما يَشَأْ ذو الوُدِّ يَصْرِمْ خليلَه ** ويُعْبَدْ عليه لا مَحالةَ ظالما

وقال أبو عبيدة: معناه الجاحِدين. يقال: عَبَدَني حَقِّي أي: جَحَدنيه. وقال أبو حاتم: العَبِدُ بكسر الباءِ: الشديدُ الغَضَبِ. وهو معنى حسنٌ أي: إنْ كان له ولدٌ على زَعْمِكم فأنا أولُ مَنْ يَغْضَبُ لذلك.
وقيل: (إن) نافيةٌ أي: ما كان، ثم أَخْبَرَ بقوله: {فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين} وتكونُ الفاءُ سببيةً. ومنع مكي أَنْ تكونَ نافيةً قال: لأنه يُوْهِمُ أنَّك إنما نَفَيْتَ عن الله الولدَ فيما مضى دونَ ما هو آتٍ، وهذا مُحالٌ.
وقد رَدَّ الناسُ على مكيّ، وقالوا: كان قد تَدُلُّ على الدوامِ كقوله: {وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 96] إلى ما لا يُحْصَى، والصحيحُ من مذاهبِ النحاةِ: أنها لا تدُلُّ على الانقطاعِ، والقائلُ بذلك يقول: ما لم يكنْ قرينة كالآياتِ المذكورةِ. وتقدَّمَ الخلافُ في قرأءَتَيْ: {وَلَد} و{وُلْد} في مريم.
{فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)}.
قوله: {يُلاَقُواْ}: العامَّةُ من المُلاقاةِ. وابنُ محيصن- وتُرْوى عن أبي عمروٍ- {يَلْقَوا} مِنْ لَقِيَ.
{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)}.
قوله: {وَهُوَ الذي فِي السماء إله}: {في السماء} متعلِّقٌ بـ: {إله} لأنه بمعنى معبودٌ أي: معبودٌ في السماء ومعبودٌ في الأرض، وحينئذٍ فيقال: الصلة لا تكونُ إلاَّ جملةً أو ما في تقديرِها وهو الظرفُ وعديلُه، ولا شيءَ منها هنا. والجوابُ: أنَّ المبتدأَ حُذِفَ لدلالة المعنى عليه، وذلك المحذوفُ هو العائدُ تقديرُه: وهو الذي في السماءِ إلهٌ، وهو في الأرض إلهٌ، وإنما حُذِف لطولِ الصلةِ بالمعمولِ فإنَّ الجارَّ متعلِّقٌ بـ: إله. ومثلُه (ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءًا).
وقال الشيخ: وحَسَّنه طولُه بالعطفِ عليه، كما حَسَّنَ في قولهم: قائل لك شيئًا طولُه بالمعمولِ. قلت: حصولُه في الآيةِ وفيما حكاه سواءٌ؛ فإن الصلةَ طالَتْ بالمعمولِ في كلَيْهما، والعطفُ أمرٌ زائدٌ على ذلك فهو زيادةٌ في تحسين الحَذْفِ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ الجارُّ خبرًا مقدمًا، و{إله} مبتدأٌ مؤخرٌ لئلا تَعْرَى الجملةُ مِنْ رابطٍ، إذ يصيرُ نظيرَ (جاء الذي في الدار زيد). فإن جَعَلْتَ الجارَّ صلةً وفيه ضميرٌ عائدٌ على الموصولِ وجَعَلْتَ {إله} بدلًا منه. قال أبو البقاء: جاز على ضَعْفٍ؛ لأن الغَرَض الكليَّ إثباتُ الإِلهيةِ لا كونُه في السماء والأرض، فكان يَفْسُدُ أيضًا من وجهٍ آخرَ وهو قوله: {وَفِي الأرض إله} لأنه معطوفٌ على ما قبلَه، وإذا لم تُقَدِّرْ ما ذكرْنا صار منقطعًا عنه وكان المعنى: أنَّ في الأرض إلهًا. انتهى. وقال الشيخ: ويجوزُ أَنْ تكونَ الصلةُ الجارَّ والمجرورَ، والمعنى: أنه فيهما بألوهِيَّتِه وربُوبِيَّتِه، إذ يَستحيل حَمْلُه على الاستقرار.
وقرأ عمرُ وعلي وعبد الله في جماعة {وَهُوَ الذي فِي السماء الله} ضُمِّن العَلَمُ أيضًا معنى المشتقِّ، فيتعلَّقُ به الجارُّ. ومثله (هو حاتمٌ في طَيِّئ) أي: الجوادُ فيهم. ومثلُه: فرعون العذاب.
{وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)}.
قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: الأخَوان وابن كثير بالياء مِنْ تحتُ، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ، وهو في كلَيْهما مبني للمفعول. وقرئ بالخطاب مبنيًا للفاعل.
وقرأ العامَّةُ أيضًا {يَدْعُوْنَ} بياء الغَيْبة والضميرُ للموصل. والسلمي وابنُ وثابٍ بتاء الخطاب، والأسود بن يزيد بتشديد الدالِ، ونُقِل عنه القراءة مع ذلك بالتاء والياء.
{وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)}.
قوله: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق}: فيه قولان، أحدهما: أنه متصلٌ والمعنى: إلاَّ مَنْ شهد بالحقِّ كعُزَيْرٍ والملائكةِ، فإنهم يملكون الشفاعةَ بتمليك اللَّهِ إياهم لها. وقيل: هو منقطعٌ بمعنى: أنَّ هؤلاءِ لا يَشْفَعُون إلاَّ فيمَنْ شَهِد بالحقِّ، أي: لكن مَنْ شَهِدَ بالحق يَشْفَعُ فيه هؤلاء، كذا قَدَّروه. وهذا التقديرُ يجوزُ فيه أَنْ يكونَ الاستثناءُ متصلًا على حَذْفِ المفعولِ، تقديرُه: ولا يملكون الذين يَدْعُون مِنْ دونه الشفاعةَ في أحدٍ إلاَّ فيمَنْ شَهِدَ.
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقولنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)}.
وقرأ العامَّة {فأنَّى يُؤْفَكون} بالغَيْبة. ورُوي عن أبي عمروٍ بالخطاب.
{وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88)}.
قوله: {وَقِيلِهِ}: قرأ حمزةُ وعاصمٌ بالجرِّ. والباقون بالنصب. فأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن، أحدهما: أنَّه عطفٌ على {الساعة} أي: عنده عِلْمُ قيلِه، أي: قول محمدٍ أو عيسى عليهما السلام. والقول والقال والقِيْلُ بمعنى واحد جاءَتْ المصادرُ على هذه الأوزانِ. والثاني: أنَّ الواوَ للقَسم. والجوابُ: إمَّا محذوفٌ تقديرُه: لتُنْصَرُنَّ أو لأَفْعَلَنَّ بهم ما أريد، وإمَّا مذكورٌ وهو قوله: {إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} ذكره الزمخشريُّ.
وأمَّا قراءة النصبِ ففيها ثمانيةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه منصوبٌ على محلِّ {الساعة}. كأنَّه قيل: إنه يَعْلَمُ الساعةَ ويعْلَمُ قِيْله كذا. الثاني: أنَّه معطوفٌ على {سِرَّهم ونجواهم} أي: لا نعلم سِرَّهم ونجواهم ولا نعلمُ قِيْلَه. الثالث: عطفٌ على مفعولِ {يكتُبون} المحذوفِ أي: يكتبون ذلك ويكتبون قيلَه كذا أيضًا. الرابع: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ {يعلمون} المحذوفِ أي: يَعْلمون ذلك ويعلمون قيلَه. الخامس: أنه مصدرٌ أي: قال قيلَه. السادس: أَنْ ينتصِبَ بإضمارِ فعلٍ أي: اللَّهُ يعلمُ قيلَ رسولِه وهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم. السابع: أَنْ ينتصِبَ على محلِّ {بالحق} أي: شَهِدَ بالحقِّ وبِقيْلِه. الثامن: أَنْ ينتصِبَ على حَذْفِ حرفِ القسمِ كقوله:
........................ ** فذاك أمانةَ اللَّهِ الثَّريدُ

وقرأ الأعرجُ وأبو قلابةَ ومجاهدٌ والحسنُ بالرفع، وفيه أوجه أحدها: الرفعُ عطفًا على {علمُ الساعةِ} بتقديرِ مضافٍ أي: وعنده عِلْمُ قِيْلِه، ثم حُذِفَ وأُقيم هذا مُقامَه. الثاني: أنَّه مرفوعٌ بالابتداءِ، والجملةُ مِنْ قوله: {يا رب} إلى آخره هي الخبر. الثالث: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ تقديرِه: وقيلُه كيتَ وكيتَ مَسْموعٌ أو مُتَقَبَّلٌ. الرابع: أنه مبتدأ وأصلُه القسمُ كقولهم: (ايمُنُ الله) و(لَعَمْرُ الله) فيكونُ خبرُه محذوفًا. والجوابُ كما تقدَّم، ذَكرَه الزمخشري أيضًا.
واختار القراءة بالنصب جماعةٌ. قال النحاس: القراءة البَيِّنَةُ بالنصب من جهتَيْن، إحداهما: أنَّ التفرقةَ بين المنصوبِ وما عُطِفَ عليه مُغْتَفَرَةٌ بخلافِها بين المخفوضِ وما عُطِفَ عليه. والثانيةُ تفسيرُ أهلِ التأويل بمعنى النصب. قلت: وكأنَّه يُريدُ ما قال أبو عبيدة قال: إنما هي في التفسيرِ: أم يَحْسَبون أنَّا لا نَسْمع سِرَّهم ونجواهم ولا نسمعُ قِيْلَه يا رب. ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ من الأوجهِ المتقدمةِ شيئًا، وإنما اختار أَنْ تكونَ قَسَمًا في القراءات الثلاثِ، وتقدَّم تحقيقُها.
وقرأ أبو قلابة {يا رَبَّ} بفتح الباءِ على قَلْب الياء ألفًا ثم حَذََفَها مُجْتَزِئًا عنها بالفتحة كقوله:
.......................... ** بلَهْفَ ولا بِلَيْتَ................

والأخفشُ يَطَّرِدُها.
{فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)}.
قوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}: قرأ نافعٌ وابنُ عامر {تَعْلمون} بالخطاب التفاتًا، والباقون بالغَيْبة نظرًا لِما تقدَّم. اهـ.